ابن قيم الجوزية
92
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
فالطوائف الثلاثة محجوبون عنهم بما عندهم من الشبه الباطلة ، والقواعد الفاسدة ، ما عندهم وراء ذلك شيء ، قد فرحوا بما عندهم من المحال ، وقنعوا بما ألفوه من الخيال ، ولو علموا أن وراءه ، ما هو أجل منه وأعظم ، لما ارتضوا بدونه ، ولكن عقولهم قصرت عنه ، ولم يهتدوا إليه بنور النبوة ، ولم يشعروا به ليجتهدوا في طلبه ، ورأوا أن ما معهم خير من الجهل ، ورأوا تناقض ما مع غيرهم وفساده . فتركّب من هذه الأمور إيثار ما عندهم على ما سواه ، وهذه بلية الطوائف . والمعافي من عافاه اللّه . فاعلم أن سر العبودية وغايتها وحكمتها : إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب عز وجل ، ولم يعطلها ، وعرف معنى الإلهية وحقيقتها ، ومعنى كونه إلها ، بل هو الإله الحق ، وكل إله سواه فباطل ، بل أبطل الباطل ، وأن حقيقة الإلهية لا تنبغي إلا له ، وأن العبادة موجب إلهيته وأثرها ومقتضاها ، وارتباطها بها كارتباط متعلق الصفات بالصفات ، وكارتباطه المعلوم بالعلم ، والمقدور بالقدرة ، والأصوات بالسمع ، والإحسان بالرحمة ، والعطاء بالجود . فمن أنكر حقيقة الإلهية ولم يعرفها كيف يستقيم له معرفة حكمة العبادات وغاياتها ومقاصدها وما شرعت لأجله ؟ وكيف يستقيم له معرفة حكمة هي الغاية المقصودة بالخلق ، ولها خلقوا ، ولها أرسلت الرسل ، وأنزلت الكتب ، ولأجلها خلقت الجنة والنار ؟ وأن فرض تعطيل الخليقة عنها : نسبة للّه إلى ما لا يليق به ، ويتعالى عنه من خلق السماوات والأرض بالحق ، ولم يخلقهما باطلا . ولم يخلق الإنسان عبثا ولم يتركه سدى مهملا ، قال تعالى : 23 : 115 أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ؟ أي لغير شيء ولا حكمة ، ولا لعبادتي ومجازاتي لكم ، وقد صرح تعالى بهذا في قوله 51 : 56 وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فالعبادة : هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها . قال اللّه تعالى : 75 : 36